أبو الليث السمرقندي

451

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

الآية مدنية ، نزلت في أناس من بني أسد أصابتهم شدة شديدة فاحتملوا العيال ، حتى قدموا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فأغلوا الأسعار بالمدينة . فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ ، يعني : إن أصابه سعة وغنيمة وخصب اطمأن به ، وقال : نعم الدين دين محمد صلّى اللّه عليه وسلّم . وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ ، أي : بلية وضيق في المعيشة ، انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ ؛ أي : رجع إلى كفره الأول وقال : بئس الدين دين محمد صلّى اللّه عليه وسلّم . خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ، أي : غبن الدنيا والآخرة . في الدنيا بذهاب ماله ، وفي الآخرة بذهاب ثوابه . ويقال : خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ لأنه لم يدرك ما طلب من المال ، وفي الآخرة بذهاب الجنة . وروي عن حميد أنه كان يقرأ خاسر بالألف ، وقراءة العامة خَسِرَ بغير ألف . ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ ، يعني : الظاهر البين . [ سورة الحج ( 22 ) : الآيات 12 إلى 15 ] يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ وَما لا يَنْفَعُهُ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ ( 12 ) يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ ( 13 ) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ ( 14 ) مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ ( 15 ) قوله عز وجل : يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ، يعني : يعبد من دون اللّه ما لا يَضُرُّهُ ، إن لم يعبده ، يعني : الصنم ، وَما لا يَنْفَعُهُ إن عبده . ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ ، يعني : الخطأ البين . ويقال : في خطأ طويل بعيد عن الحق . يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ ، يعني : لمن إثمه وعقوبته أكثر من ثوابه ومنفعته ، ويقال : ضره في الآخرة أكثر من نفعه في الدنيا . فإن قيل : لم يكن في عبادته نفع البتة ، فكيف يقال : من نفعه ولا نفع له ؟ قيل له : إنما قال هذا على عاداتهم ، وهم يقولون لشيء لا منفعة فيه : ضره أكثر من نفعه ، كما يقولون لشيء لا يكون هذا بعيد ، كما قالوا أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ [ ق : 3 ] . ثم قال تعالى : لَبِئْسَ الْمَوْلى ، يعني : بئس الصاحب ، وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ ؛ يعني : بئس الخليط . ويقال : معناه من كانت عبادته عقوبة عليه ، فبئس المعبود هو . ثم ذكر ما أعد اللّه تعالى لأهل الصلاح والإيمان ، فقال عز وجل : إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ ، يعني : يحكم في خلقه ما يشاء من السعادة والشقاوة . قوله تعالى : مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ ، الهاء : كناية عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، ويجوز في اللغة الإضمار في الكناية وإن لم تكن مذكورة إذا كان الأمر ظاهرا ، كقوله تعالى : ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ [ فاطر : 45 ] ، يعني : على ظهر الأرض ، وكقوله عز وجل : حَتَّى تَوارَتْ